السيد كاظم الحائري
619
تزكية النفس
فإذا فسّرت قاعدة : أنّ الحسنات يذهبن السيّئات بهذا التفسير ، فأثرها كأثر قبول التوبة : إنّما هو إعطاء الأمل للمؤمن المذنب لا الجرأة . أمّا الذي يستغلّها في سبيل الجرأة على المعاصي ، فهذا يعني سوء الاستفادة من وصفة الطبيب ، كمن يسيء الاستفادة من فكرة التوبة . وليس هذا عيبا في وسائل المغفرة . وأمّا العفو المعلّق على مشيئة اللّه في الآيتين الماضيتين ، فمن الواضح أنّه نتيجة تعليقه على مشيئة اللّه وعدم تنجيزه لا تثمر الجرأة ، إلّا لمن يريد أن يسيء الاستفادة من هذه الوصفات . وأمّا الشفاعة فلا إشكال في أنّ الاعتقاد بها من أعظم المحفّزات نحو الخير وكسب السعادة والكمال ؛ لما قلنا من : أنّ المنهمك في المعاصي وبالذات في الكبائر لو أصابه اليأس انسدّ عليه باب النجاة ، ولكن الاعتقاد بالشفاعة يدفع عنه اليأس ، ويفتح له باب الأمل الذي لولاه لما تحرّك نحو الخير . وأمّا كون الاعتقاد بالشفاعة موجبا للهلاك ؛ لأنّه يجرّئ العبد على المعصية ، فليس إلّا كتأثير الاعتقاد بالتوبة في بعض النفوس في إيجاد الجرأة له على الذنوب ، بأمل أنّه سوف يتوب عنها فتضمحلّ . وهذا في الحقيقة - كما قلنا - ليس مشكلة التوبة أو الشفاعة ، بل هي مشكلة كيفيّة استعمال هذه الفكرة في غير محلّها ، فكما نقول في التوبة بأنّ الاعتماد عليها في ارتكاب الذنوب من أعظم الأخطاء ؛ لأنّه : أوّلا : إنّ التوبة أصعب من ترك الذنب ؛ لأنّ القلب إذا قسى بالذنب كان رجوعه إلى الهدى أصعب من استمراره على الهدى قبل القسوة . وثانيا : إنّ إمهال الموت للوصول إلى التوبة غير مضمون . وثالثا : إنّ الذنب قد يجرّ الإنسان إلى ذنب آخر ، ثمّ ينجرّ إلى ذنب ثالث ، وهكذا إلى أن يغطّي السواد قلبه ، وعندئذ لا يرجع إلى الخير أبدا ، كذلك نقول في الشفاعة :